من يوم بدينا… والسعودية تصنع المستقبل

كتب: سعود بن حمد آل فطيح، الرئيس التنفيذي لشركة PNG Saudi
حين نعود بذاكرتنا اليوم إلى ثلاثة قرون مضت، إلى لحظة “يوم بدينا”، فنحن لا نستعرض شريطاً من الذكريات التاريخية فحسب، بل نستلهم “الشفرة الوراثية” للشخصية السعودية؛ تلك الشخصية التي لم تقبل يوماً بغير الريادة بديلاً، والتي طوعت قسوة التضاريس وشح الموارد لتصنع دولة هي اليوم قلب العالم النابض.
إن المتأمل في مسيرة التأسيس يدرك أن “الذكاء” كان حاضراً منذ اللبنة الأولى؛ لم يكن ذكاءً اصطناعياً بأدواته الحديثة، بل كان ذكاءً فطرياً في إدارة الموارد، وبناء التحالفات، واستشراف المستقبل، وإدارة الأزمات والعقبات وتخطيها بكل عزيمة وثبات. واليوم، ونحن نعيش عصر الثورة الصناعية الرابعة، نجد أنفسنا أمام امتداد طبيعي لهذه الروح.
فالمواطن السعودي الذي أدار القوافل ونظم شؤون الدولة في ظروف بالغة التعقيد، هو نفسه الشاب الذي يدير اليوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي ويقود التحول الرقمي العالمي.
ميدان العز الجديد
في «Saudi Makes Future»، نؤمن بأن التقنية ليست مجرد أدوات مستوردة نتباهى بها، بل هي “ميدان عز” جديد. نحن لا نستهدف عرض الشاشات والبرمجيات، بل نسعى لتمكين “الإرادة السعودية” لتكون هي المحرك الحقيقي للتنمية المستدامة. إن ربطنا لـ 14 قطاعاً استراتيجياً بالذكاء الاصطناعي—من المدن الذكية إلى الطاقة والزراعة—ما هو إلا ترجمة حديثة لمفهوم “عمارة الأرض” التي بدأت مع تأسيس هذه الدولة المباركة.
الرؤية: جسر نحو السيادة التقنية
وعلى أعتاب هذا التحول التاريخي، تجلت “رؤية السعودية 2030” بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- كأعظم مشروع وطني لاستثمار العقل السعودي؛ فهي لم تكن مجرد خطة اقتصادية، بل هي “وثيقة عبور” نحو السيادة المعرفية والتقنية.
لقد آمن سموه بأن ثروتنا الحقيقية ليست في باطن الأرض فحسب، بل في طموح يعانق السماء، فوجه البوصلة نحو الاستثمار في “اقتصاد الذكاء”، جاعلاً من المملكة مختبراً عالمياً للابتكار ومركزاً لتقنيات المستقبل.
إن هذه الرؤية الملهمة هي التي حولت الحلم إلى واقع ملموس، ومكنت الكوادر الوطنية من قيادة أعقد المشاريع التقنية، لتثبت للعالم أن “الروح السعودية” التي أسست الدولة قبل ثلاثة قرون، هي ذاتها التي تقود اليوم حراك التغيير العالمي بكل ثقة واقتدار.
بوابة العالم إلى المستقبل
إن رسالتنا في ذكرى التأسيس تتجاوز الاحتفاء بالماضي؛ إنها دعوة لفهم أننا “بوابة العالم إلى المستقبل”. نحن نملك الإرث الذي يمنحنا الثبات، ونملك الرؤية التي تمنحنا الانطلاق، ومن هنا تأتي أهمية خلق بيئات تجمع المبتكر بصانع القرار، والمستثمر برائد الأعمال، لنحول “البيانات” إلى “منجزات” ملموسة تخدم الإنسان السعودي وتعزز من جودة حياته.
ختاماً، إن “يوم التأسيس” يذكرنا بأننا شعبٌ لم يُخلق لينتظر المستقبل، بل ليصنعه. وإذا كان الأجداد قد كتبوا التاريخ بحد السيف وعرق البناء، فنحن اليوم نكتب فصوله الجديدة بلغة الابتكار والذكاء، متمسكين بهويتنا، ومعتزين بجذورنا، وماضين بكل ثقة نحو غدٍ نصنعه بأيدينا.
حفظ الله لنا وطننا، وأدام عزه في ظل قيادتنا الملهمة.
سعود آل فطيح: عضو هيئة التدريس بقسم القانون بـ جامعة نجران




