أقدم أدمغة بشرية مزروعة فى المختبر.. والعلماء يكتشفون مفاجأة عن شيخوختها
حقق علماء تقدما لافتا فى أبحاث الدماغ، بعدما تمكنوا من إبقاء أدمغة بشرية مصغرة مزروعة في المختبر على قيد الحياة لمدة تصل إلى 7 سنوات، محققين بذلك رقما قياسيا جديدا يتجاوز العمر الذى كانت تصل إليه هذه الأنسجة فى السابق، وفقا لموقع “ديلى ميل”.
تعرف هذه النماذج باسم “العضيات الدماغية”، وهي كتل صغيرة من أنسجة المخ البشري تزرع في المختبر انطلاقا من الخلايا الجذعية، ولا يتجاوز حجم بعضها حجم حبة الفلفل.
وعادة ما تعيش هذه العضيات بضعة أشهر فقط، بينما كان الرقم القياسي السابق لعضية دماغية طويلة العمر أقل بقليل من عامين.
أدمغة مصغرة تواصل النمو لسنوات
وفى دراسة جديدة نشرت في مجلة Nature، وجد الباحثون أن العضيات الدماغية لا تبقى حية لفترات طويلة فحسب، بل تمر خلاياها أيضا بعملية شيخوخة وتطور تشبه إلى حد كبير ما يحدث في خلايا الدماغ البشرى.
ويعتقد العلماء أن هذه الخلايا قد تحتفظ بما يشبه ذاكرة لتاريخ تطورها، لكن المقصود هنا ليس امتلاكها ذاكرة واعية أو القدرة على تذكر أحداث وتجارب، وإنما احتفاظها بآثار مراحل تطورها السابقة على المستوى الخلوى.
وأوضح الباحثون أن العضيات الدماغية تختلف بشكل كبير عن الدماغ البشري الكامل، فهي أبسط من حيث التركيب ولا تتلقى مدخلات حسية من العالم الخارجى، ولهذا السبب، لا يعتقد أنها قادرة على الوعى أو التفكير أو الوعى الذاتى أو أداء الوظائف العقلية المعقدة التى يقوم بها الدماغ البشرى.
لماذا يهتم العلماء بهذه الأدمغة؟
رغم بساطتها، تمثل العضيات الدماغية نموذجا بيولوجيا مهما للغاية للعلماء، لأنها تسمح بدراسة نمو الدماغ والأمراض التي تصيبه داخل المختبر.
وتكمن إحدى المشكلات الرئيسية فى أن الدماغ البشرى يحتاج إلى نحو 20 عاما للوصول إلى مرحلة النضج الكامل، بينما لا تعيش معظم العضيات الدماغية سوى بضعة أشهر.
ومن هنا، فإن القدرة على إبقاء هذه الأنسجة حية لسنوات قد تساعد الباحثين على دراسة التغيرات التي تحدث فى الدماغ على مدى فترات زمنية أطول.
“الساعات الجينية” تكشف عمر الخلايا
ولمعرفة ما إذا كانت العضيات تشيخ فعلا مع مرور الوقت، استخدم الباحثون ثلاث تقنيات جينية حديثة تعرف باسم “الساعات الجينية”، والتي يمكن من خلالها تقدير العمر البيولوجي للخلايا.
وأظهرت النتائج أن الخلايا الموجودة داخل العضيات تقدمت فى العمر بمرور السنوات بطريقة مشابهة تقريبًا لخلايا الدماغ البشري، كما احتفظت بآثار مراحل تطورها السابقة.
وقالت البروفيسورة باولا أرلوتا، المؤلفة المشاركة في الدراسة من معهد هارفارد للخلايا الجذعية، إن النتائج تشير إلى إمكانية استمرار الدماغ فى التطور خارج جسم الإنسان لفترة زمنية غير مسبوقة.
“تجربة مجنونة” تكشف مفاجأة
ولفحص عملية تطور الخلايا بشكل أكبر، أجرى الباحثون تجربة وصفها فريق الدراسة بأنها مجنونة فقد أخذوا خلايا من عضية دماغية يبلغ عمرها عامين، وخلطوها مع خلايا من عضية أخرى لا يتجاوز عمرها أسبوعين، لتكوين ما يشبه “الكيميرا”، أي نموذج يجمع خلايا ذات أعمار مختلفة.
وكانت المفاجأة أن الخلايا الأصغر سنا واصلت تطورها بشكل طبيعي، بينما بدأت الخلايا الأكبر سنا في التقدم سريعا إلى مراحل متقدمة من التطور، وبدأت هذه الخلايا في تكوين خلايا عصبية جديدة بسرعة، وهي عملية تستغرق عادةً نحو أربعة أشهر حتى تكتمل.
ووصف الباحثون هذه النتيجة بأنها أشبه بـتشويه للزمن في عملية تطور الدماغ، معتبرين أن النتائج قد تساعد في فهم كيفية التحكم في نمو خلايا المخ.
أمل جديد لفهم أمراض الدماغ
يأمل العلماء أن تساعد العضيات طويلة العمر في دراسة أمراض واضطرابات عصبية تظهر أو تتطور على مدى سنوات، مثل التوحد والفصام، دون الحاجة إلى انتظار عقود حتى يصل الدماغ البشرى إلى مراحل عمرية معينة.
واستخدمت دراسات سابقة بالفعل العضيات الدماغية كنماذج لدراسة أمراض مثل الزهايمر وباركنسون وإصابات الحبل الشوكى، كما يجرى اختبار بعض العلاجات الجينية الحديثة باستخدام هذه النماذج، بما في ذلك علاجات تستهدف خلايا الجهاز العصبى المركزى.
وأجريت بعض التجارب على عضيات دماغية نمت على متن محطة الفضاء الدولية، حيث يمكن لظروف انعدام الجاذبية أن تؤثر فى نمو الخلايا وتطورها.
هل يمكن أن تعيش العضيات لأكثر من 7 سنوات؟
لا يزال العلماء غير متأكدين من الحد الأقصى للعمر الذي يمكن أن تصل إليه العضيات الدماغية وبما أنها لا تمتلك جسما كاملا يمكن أن يصاب بالأمراض والشيخوخة بالطريقة نفسها التي تحدث للإنسان، فمن الناحية النظرية قد تتمكن من الاستمرار في الحياة لفترات طويلة جدا.
ومع ذلك، تؤكد أرلوتا أن العلماء لا يعرفون حتى الآن العمر الافتراضي الحقيقي لهذه الأنسجة، ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى يمكن إطالة عمرها في المختبر.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام إمكانية دراسة أمراض الدماغ المرتبطة بالعمر بصورة أكثر دقة، وربما تطوير علاجات جديدة دون الحاجة إلى انتظار سنوات طويلة حتى تصل خلايا الدماغ إلى مراحل متقدمة من النضج.




